عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

80

اللباب في علوم الكتاب

وقوله : « عند ربّه » أي : عند اللّه في الآخرة . وقال الأصم : فهو خير له من التهاون « 1 » . قوله : « وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ » ووجه النظم أنه كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضا تحرم ، فبيّن تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها ، ثم استثنى منه ما يتلى في كتاب اللّه من المحرمات من النعم في سورة المائدة في قوله : « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » « 2 » ، وقوله : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » « 3 » « 4 » . قوله : « إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ » يجوز أن يكون استثناء متصلا ، ويصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام لسبب عارض كالموت ونحوه . وأن يكون استثناء منقطعا ، إذ ليس فيها محرم « 5 » وقد تقدم تقرير هذا أول المائدة « 6 » . قوله : « مِنَ الْأَوْثانِ » . في « من » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها لبيان الجنس « 7 » ، وهو مشهور قول المعربين ، ويقدر « 8 » بقولك الرجس الذي هو الأوثان . وقد تقدم أن شرط كونها بيانية ذلك « 9 » ويجيء مواضع كثيرة لا يتأتى فيها ذلك ولا بعضه . والثاني : أنها لابتداء الغاية « 10 » . قال شهاب الدين : وقد خلط أبو البقاء القولين فجعلهما قولا واحدا . فقال : و « من » لبيان الجنس ، أي : اجتنبوا الرجس من هذا القبيل وهو معنى ابتداء الغاية

--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 32 . ( 2 ) من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [ الآية : 1 ] . ( 3 ) [ الأنعام : 121 ] . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 32 . ( 5 ) انظر التبيان 2 / 941 . ( 6 ) عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 1 ] . ( 7 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3 / 425 ، مشكل إعراب القرآن 2 / 97 ، الكشاف 3 / 31 تفسير ابن عطية 10 / 273 ، البيان 2 / 174 ، التبيان 2 / 941 ، البحر المحيط 6 / 366 . ( 8 ) في الأصل : ويتقدر . ( 9 ) أي أن شرط كون ( من ) لبيان الجنس صحة وقوع الموصول مع ضمير يعود على ما قبلها إن كان ما قبلها معرفة كما هنا ، أما إن كان ما قبلها نكرة فشرطها صحة وقوع الضمير فقط كقوله تعالى : مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [ الحج : 23 ] أي : هي ذهب . شرح التصريح 2 / 8 / ، وشرح الأشموني 2 / 211 . ( 10 ) فكأنه نهاهم عن الرجس عامّا ثم عيّن لهم مبدأه الذي منه يلحقهم ؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس . تفسير ابن عطية 10 / 273 ، البحر المحيط 6 / 366 .